عبد الملك الجويني

245

الشامل في أصول الدين

فصل مشتمل على اختلاف في أحكام الحركات راجعة إلى الألقاب والعبارات فمنها أن الأستاذ قال : إذا استقر جسم بسيط في مكان ، ومرّ على ذلك الجسم جسم فلا شك في تحرك الجسم الأعلى ، وقد قال الأستاذ بتحرك الأسفل ، وصار إلى أن الجوهر إذا تبدلت عليه المحاذيات ، فهو متحرك . ومعلوم أن المحاذيات قد تبدلت على الجسم المتسفل تبدلها على الأعلى . وهذا مأثور عن الأستاذ ؛ مشهور عنه ، وقد أنكره أقرانه ، وأطنبوا في استبعاد ذلك . وليس فيما قاله استبعاد في المعنى . فإنه فسر ما أطلقه من الحركة بتبدل المحاذيات ، وهو معلوم مسلم ، فيؤول الإنكار إلى التسمية المحضة ، وهي سهلة المدرك . وإن لم يبعد من كافة المحققين أن يسموا الحركة سكونا والسكون حركة ، لم يبعد ما قاله الأستاذ . وقد ألزم الأستاذ بعض الحذاق سؤالا فقال : الجسم البسيط الواقف إذا حاذاه محاذيان من وجهين ، أحدهما مرّ في جهة العلو يمنة ، والثاني مرّ في جهة السفل يسرة ، فقد تبدلت عليه المحاذيات ؛ فيلزم أن يتحرك يمنة ويسرة معا . وقال الأستاذ مجيبا : الحركة حركتان ، حركة يزول بها المتحرك ، وحركة لا يزول بها بل يزول عنه غيره . فأما الحركة التي [ هي ] زوال للمتحرك ، فيستحيل اجتماع حركتين معا في المحل الواحد . وأما الحركة التي ترجع إلى زوال الشيء عن المتحرك لا إلى زواله في نفسه ، فلا نستبعد فيه ما قلت . إذ لا يبعد في أن يزول جوهران أحدهما فوق جوهر والثاني تحت جوهر فيزولان يمنة ويسرة ، فعاد محصول القول إلى تسمية . ثم قال المعترض : قسمة الحركة إلى ما هي زوال وإلى ما ليس بزوال بعيد . فقال الأستاذ : كل حركة زوال ، ولكن من ضرورة زوال الجوهر الأعلى عن الأسفل أن يزول الأسفل عن الأعلى . فهذا أقصى الغرض من هذا الفصل . ومما يتعلق بهذا الفصل : أن الجوهر إذا أحاطت به ستة من الجواهر ، ثم زال ذلك الجسم ، وتحرك فقد قال المحققون : إنما يثبت حكم الحركة في الأجزاء الظاهرة ، فأما الجزء الباطن المحبوس بالجواهر من جميع جهاته ، فلا تتحقق الحركة فيه ؛ إذ الحركة من حكمها تبدل المكان أو تبدل المكان أو تبدل الحيز . فإذا كان الجوهر في مكان ، ثم تعدّي الكون في مكان آخر ، فأول كونه في المكان الثاني حركة . وكذلك لو قدر ذلك في تقدير مكانين والجوهر الباطن في الصورة التي ذكرناها لم يزل عن مكان ولا عن حيز ، فلم يسم